ابن حزم
264
رسائل ابن حزم الأندلسي
فقال : إني أقطعها وأنا أدري أني أقطع فيها أدباً كثيراً ، ولكن لو كان أبو محمد - يعنيني - حاضراً لدفعتها إليه تكون عنده تذكرة لمودتي ، ولكني لا أعلم أي البلاد أضمرته ولا أحي هو أم ميت ؛ وكانت نكبتي اتصلت به ولم يعلم مستقري ولا إلى ما آل إليه أمري ؛ فمن مراثي له قصيدة منها : [ من المتقارب ] . لئن سترتك بطون اللحود . . . فوجدي بعدك لا يستتر قصدت ديارك قصد المشوق . . . وللدهر فينا كرور ومر فألفيتها منك قفراً خلاء . . . فأسكبت عيني عليك العبر وحدثني أبو القاسم الهمذاني ( 1 ) رحمه الله قال : كان معنا ببغداد أخ لعبد الله بن يحيى بن أحمد بن دحون الفقيه ( 2 ) ، الذي عليه مدار الفتيا بقرطبة ، وكان أعلم من أخيه وأجل مقداراً ، ما كان في أصحابنا ببغداد مثله ، وأنه اجتاز يوماً بدرب قطنة ( 3 ) ، في زقاق لا ينفذ ، فدخل فيه فرأى في أقصاه جارية واقفة مكشوفة الوجه ، فقالت له : يا هذا إن الدرب لا ينفذ ، قال : فنظر إليها فهام بها . قال : وانصرف إلينا فتزايد
--> ( 1 ) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمذاني ( أو الهمداني ) الوهراني المعروف بابن الخراز ، رحل إلى المشرق ولقي الأبهري أبا بكر وغيره ، وكان رجلاًُ صالحاً منقبضاً ، داره ببجانة ، وكان معاشه يبتاعه ببجانة ويقصرها ويحملها إلى قرطبة فتباع له ويبتاع بثمنها ما يصلح لبجانة ، ويجلب معه كتبه فتقرأ عليه من خلال ذلك ، وكان يرد قرطبة كل عام إلى أن وقعت الفتنة ، وتوفي سنة 411 ، وروى عنه ابن حزم وابن عبد البر وغيرهما ( الصلة : 305 والجذوة 256 والبغية رقم : 1022 ) قلت : وقد ورد " الهمذاني " بالذال المعجمة بضبط ابن بشكوال ، وفي الجذوة بالمهملة ، والأولى أرجح ، رغم أنه وهراني . ( 2 ) هو أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أحمد المعروف بابن دحون ( - 431 ه - ) . كان من جلة الفقهاء وكبارهم عارفاً بالفتوى حافظاً للرأي على مذهب مالك وأصحابه عارفاً بالشروط وعللها ، عمر وأسن وانتفع الناس به ( الصلة : 260 ) . ( 3 ) لم يذكر لسترانج في كتابه : ( Baghdad During the Abbasid Caliphate ) درباً بهذا الاسم ؛ وأقرب ما وجدته هنالك " دار القطنية " ( أي قصر سوق القطن ) فلعل هنالك درباً مجاورة له كانت تسمى " درب القطنية " ويلي هذا من حيث شكل الكلمة " درب قحطبة " ( 140 ، 141 ) .